مصطفى لبيب عبد الغني
9
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
مقدمة الطبعة الأولى أبو بكر محمد بن زكريا الرازي ( + 323 ه / 925 م ) - عندنا - عالم موسوعى وفيلسوف حق دون منازع « 1 » ، لكنه - عند الكثيرين - متّهم في أصالة فكره ! وسلامة عقيدته ، مضنون عليه بالتقدير في علمه وشخصه . والرأي الشائع فيه - عند غالبية مؤرخي الفكر الإسلامي وطائفة لا يستهان بها من أعلامه - يدعو إلى الريبة والتساؤل ! ويستوجب في رأينا - ضرورة النظرة النقدية الفاحصة إلى جملة من الأحكام الشائعة في تاريخ الحضارة الإسلامية على وجه العموم وإلى ما اتصل منها بالرازي على وجه الخصوص ، وغريب حقا أن يجتمع على خصومته القاصي والداني وأن يصمد الرجل أمام عنف الهجمات ويظهر لمعارضيه ندا قويا وأن تظل أفكاره حيّة ومواقفه ثابتة - في نهاية الأمر - لا ينال منها التجاهل والإهمال والرفض ، ولعلّه أراد بسرده الموجز لقصة عقله في سيرته الذاتية الفلسفية أن يسمو على مناوئيه من ذوى العقول القاصرة والهمم العاجزة ومن ذوى السفاهة والتشنيع . وإذ يزوّر عنه الكثيرون على تعاقب الأجيال في الحضارة الإسلامية « 2 » نراه يتبوأ عند الغربين مكانا عليّا ما
--> ( 1 ) نجد أوفى ثبت للآثار العقلية الزاخرة التي أنجزها الرازي في صنوف معرفية عديدة ، يتقدمها علم الطب بفروعه المختلفة ، فيما أورده أبو الريحان البيروني في « فهرست كتب الرازي » . ( تحقيق كراوس ، ب . باريس 1936 ) . ( 2 ) مضطربة هي الصورة التي نرى من خلالها أبا بكر الرازي في عيون المؤرخين المسلمين ، فلا نعرف أسماء معلميه ولا أسماء تلامذته على وجه اليقين ولا تاريخ ميلاده أو تاريخ وفاته على التحقيق ! ، وحتى ابن النديم الذي يعد - في رأينا - من أكثر مؤرخي العلم الإسلامي حتى القرن الرابع الهجري وثوقا واتزانا وموضوعية والذي تتعاظم أهميته لقريه من زمان الرازي نراه يؤرخ لعالمنا استنادا إلى روايات متأخرين دون الاستناد إلى مصادر معاصرة فيورد أقواله في « الفهرست » نقلا عن فلان عن فلان بإسناد منقطع . وما يثبته ابن القفطي وينقله ابن أبي أصيبعة أو يزيد عليه وما نجده عند غيرهما من مؤرخي العلم العربي مختلط تكتنفه الأوهام والظنون . -